ابن عربي
285
مجموعه رسائل ابن عربي
لم يعرف الواجبات حتى يسارع إليها ويؤديها والمحظورات حتى يجتنبها والمندوبات حتى يرغب فيها والمكروهات حتى يحفظ نفسه منها والمباحات حتى يتعوذ باللّه من الغفلة وتحقق هذه المعاني التي هي أهم أحكام أصول الفقه ويعرف أيضا ما تحت كل واحدة منها على التشخيص مما يلزمه كما تقدم ومعرفة هذا من كتاب اللّه وسنة رسوله ( ص ) وإجماع العلماء فإذا عرفت هذا ولازمت العمل فأنت الموفق السعيد . واعلم أنه إذا تقرر هذا عندك فإنه ينبغي لك أن تعرف ما يعم ذاتك من الأحكام وما يخص وأريد بالعام لذاتك كل عبادة دخلت فيها حرم عليك التصرف في غيرها كالصلاة وأريد بالخاص كل عبادة تختص ببعض الجوارح دون بعض أو كل عبادة لا تمنعك من إتيان بعض الأفعال المباحة . واعلم أن عدد الأعضاء المكلفة ثمانية وهي العين والأذن واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب فعلى كل واحد من هذه الأعضاء تكليف يخصه بأنواع من الأحكام الشرعية ثم تصرفها على الوجه الشرعي في محلين خاصة إما في ذاتك وإما في غير ذاتك فالذي في ذاتك ما يلحقك عليه المذمة الشرعية أو المحمدة عند اللّه تعالى فالمحمودة كالصلاة والصوم وما أشبههما والمذمومة كضربك نفسك بسكين لتقتلها ومنها ما لا يلحقك فيه مذمة ولا محمدة كصنف المباح ولا يجوز لك هذا الفعل إلّا في ذلك وأما في غير ذاتك فلا إلّا بشرط فالذي لذاتك كنظرك إلى عورتك والذين هم غيرك ثمانية أصناف خارجون عنك الولد والوالدان والزوجة وملك اليمين والبهيمة والجار والأجير والأخ الأيماني والطيني . واعلم أن اللّه تبارك وتعالى إذا أيدك بالتوفيق للعلم والعمل على الإخلاص فتح عليك بابا إلى ملكوته يمنعك مشاهدة ما تجلى لك وراء ذلك الباب من طوارق الغفلات وللرجوع إلى عالم الشهوات واشتغلت بموارد الحق عليك من لطائف وأسرار وكشف حقائق وذلك هو علم التدلي وعلم التلقي فاسرح في تحصيله بمداومة الذكر والخلوة وطيب الأطعمة وقلّة الأكل والورع في النطق وتصرف القلب في فضول الخواطر ولتستجب نفسك تحت أمر آمر يأمرك وينهاك وتلمذ له واتخذه شيخا مرشدا فإنه لم تجر أفعالك على مراد غيرك ولم يصح لك انتقال عن هواك ولو جاهدت نفسك عمرك بما ترتبه عليها وإن صعب لم تزل عن هواها فإنها المترتبة على نفسها وإن فتح لها في لطائف المشاهدة وضروب المكاشفة لم تزل بذلك عن رعونتها ورياستها إلى ما لا يمكن خروجها منها إلّا بالانقياد إلى طاعة نفس أخرى مثلها وتصرفها تحت أمره ونهيه وذلك لكثافة